أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
99
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
باقر في داخل الكتّة ، يعدّ مكاناً يحوي جسمه الصغير آنذاك كصومعة للعزلة ! صار الفتى يلجأ إليها كثيراً ليديم الخلوة والتأمّل . وقد كنّا نسمع منه في تلك الأحايين عبارات كبيرة لا تصدر في العادة عمّن هو في سنِّه ، وكانت تصدر منه مواقف ومشاعر عجيبة هي في مغزاها وخلفيّاتها أكبر من تجربة ستّ سنين . وعندما كبر الصبي ضاقت عليه تلك ( الكتة ) ، فتوجّه إلى مخزن صغير كان يعلو سقف إحدى حجر البيت ، ذي مساحة صغيرة ، وكان ذلك المخزن قليل الإنارة ، ضعيف التهوية [ كنا نسمِّيه ( الكنجينة ) ] وقد صار يلجأ إليه محمّد باقر ويجلس فيه ساعات متوالية يتأمّل ويفكّر ويكتب . كان الناظر إلى ذلك الصبي يكتشف فيه - بسهولة - رجولة قبل أوانها ، ونضجاً مبكراً ، لكنّه في مقابل ذلك كان إلى جانب التّوقد في ذهنه والنضج في مشاعره ، كان كثير العلّة في جسده ، لا تبارحه الأسقام إلّا قليلًا . . إلّا أنّ ذلك لم يكن يهدّ من إرادته ، ولا ليغيّر من عزائمه وخصائصه شيئاً » « 1 » . ال الله تعالى في محكم كتابه الكريم مشيراً إلى ذلك نقلًا عن يعقوب في وصيّته لأولاده عندما ذهبوا ليتحسّسوا من يوسف ( ع ) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ « 2 » » « 3 » . * * *
--> ( 1 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 131 - 134 ؛ وانظر : من مذكّرات أسرة السيّد الصدر للمصنّف ، ( مخطوط ) ( 2 ) يوسف : 67 - 68 ( 3 ) ملامح من السيرة الذاتيّة ( محدود الانتشار ) .